حيدر حب الله
21
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
المتعدّدة ، ليكون الظهور التام والنهائي مع الديانة المحمّديّة الإلهيّة الكاملة . وحتى لو ذهبنا إلى وجهة النظر الثانية التي دافع عنها بعض الباحثين المعاصرين ؛ فإنّ الأمر هو عينه ، فإنّه وفقاً لوجهة النظر هذه لا يوجد تدرّج بين الديانات أساساً ، فما جاء به إبراهيم هو عين ما جاء به محمّد بلا فرق أبداً حتى بالزيادة والنقيصة ، وهذا معناه أنّ السياسة العامّة لتبليغ الدين لم يكن فيها تدرّج قط ، فما قاله نوح لقومه هو عين ما قاله محمّد لهم ، ولم يقل نوح شيئاً لم يقله محمّد ، ولم يقل محمّد شيئاً لم يقله نوح ، فأيضاً هنا لا يجري إشكالكم ؛ لأنّ الديانات استخدمت طريقةً واحدة . وبالمناسبة فهذا موضوعٌ جيّد ومفيد ومهم جدّاً في دراسة هل كانت سياسة الديانات قائمةً على التدرّج الكمّي في البيان كما هو المشهور أم لا ؟ وهل أنّ الديانات الإلهيّة الواقعيّة متساوية كمّاً وكيفاً في مضمونها أم لا ؟ ويصلح لتناوله مادّة بحثية قرآنيّة وحديثية واجتهاديّة وفلسفيّة أيضاً ، على مستوى أطروحة دكتوراه أو ماجستير ، فله تأثير نظريّ لا يستهان به على فهم المنظومة الدينيّة ، كما سيترك تأثيراً مهمّاً على موقعيّة فكرة النبوّة الخاصّة في الدين ، فليلاحظ جيداً . الموضوع الثاني : تدرّج كلّ دين في بيان مضمونه لقومه لحظة نزوله إلى الناس ، ولعلّه هذا هو موضع سؤالكم ، فلماذا تدرّج الإسلام في بيان مفاهيمه بحيث نزل نجوماً ، فيما لم يتمّ التدرّج في الديانات الأخرى بحيث نزلت ألواح التوراة معاً بكلّ ما فيها ؟ ! وفي هذا السياق ، يمكن القول بأنّ هذا الأمر تابعٌ لطبيعة المرحلة والمحيط والظروف التي تكتنف نزول هذه الديانة أو تلك ، ولا يجب أن تكون هناك طريقة واحدة في نزول الوحي على الأنبياء في كلّ الديانات ، فلعلّ ما في ألواح